الخميس، 24 يونيو 2010

(الرسالة الأولى )


أبي الذي في الغربة....





إلى قطعة من قلبي...
أبي ذاك الساكن في فؤادي المحب..
بعيد أنت ....!
وبعيدة أفراحي ببعدك ..


أكتب لك  بدموع الشوق..التي اختزنتها منذ سنين في صندوق الذاكرة القديمة...
نعم في صندوق الذاكرة ..المخصص لك !
حيث أحتفظ فيه بملامح وجهك الطيبة الحانية..
وأضع فيه عروستي الصغيرة تلك التي أهديتها لي عندما بلغت الرابعة من عمري..!!
وفي هذا الصندوق يكمن نصف من حياتي..
كماهي عادة كل أبناء البشرية..
تتكون حياتهم من نصفين لايفترقان إلا إن أراد الله  ذلك...


عندما رحلت عني ..ورحلت عن أمي التي بقيت في الميناء تنتظر عودة زورقك..
قررت أن أبقي صورتك في خيالي كي تشهد لي بأنك مازلت حيا في حياتي...
مازالت آثار يدك على بشرة وجهي وجسدي..
مازلت أحتفظ ببصمات حنانك ورعايتك ..
قررت وأنا أودعك أن أصنع لنفسي هذا الصندوق كي تعيش فيه بأمان..
بعيدا عن أعاصير النسيان وجلبة الحنين..وضجة الهموم..
هموم فتاة بلغت من العمر عشرين عاما...!


هذه السن التي يسمونها سن الزهور..!
أي زهور تلك التي تنبت في أرض لايسقيها صاحبها...ولايوليها عنايته..
لايذكر إن كان قد وضع فيها بذورا أم لا..!!
يجعلها تستجدي الماء ..ولاماء..!!
يجعلها تستجدي الهواء ولاهواء..!!
أرض جدباء في بقعة من العالم محرومة من أقل حقوقها..!
فكيف تتألق على وجهها زهور سعيدة ..
بل وكيف ننتظر منها بذرة مكافحة وثمرا طيبا..!


هل لي بماء من يدك ياأبي يسقي هذا الجفاء الذي سكن قلبي!!
هل لي بكلمات تؤيد خطواتي في الحياة..!!
حياتي التي تحاصرها الأسئلة..!! بلا إجابات..
إني أخوض كل يوم جملة من الامتحانات الصعبة
وأجهل الكثير من معاني السعادة!
هناك فراغات كثيرة في عقلي ..أرهقت تفكيري..وأعاقت تقدمي للأمام..
كانت تنتظر لمسات روحك الخاصة كي تمتلأ بالطموح والهمة والأمل...


هل تعلم ..!
أيها المهاجر بعيدا عن جسدي وعيني
القريب أبدا من قلبي وروحي..!
أن صندوق ذكرياتي قد غدا ناطقا ..بعد أن علمته الصمت طوال سنين الفقد..
هل لأنه مظلوم جرب أن يتكلم ليطلب الانتصار لذاته..؟
ليطلب نفض الغبار عن حياة تعسة مغلقة محصورة في صندوق..!
ألا ما أضيق الزمان وإن أوحينا لأنفسنا بأنه يتسع للأفراح
وأهل الأفراح قد رحلوا!!


وكم يدور في خلدي سؤال لك أيها البعيد القريب..
ماطعم الفرح في بلاد الغربة..بعيدا عن أنفاس الأحبة..
ماطعم الدفء ياأبت في بلاد الشتاء الطويل..!


ألا تنتظر شمسا تشرق عليك ترى فيها صفحة وجهي المحب..
ألا تبتهج برؤية امرأة لم تيأس من انتظارك..
وكم من نساء يأسن وألفن مرارة البعد..
إلا أمي التي أدمنت حصتها من البكاء كل ليلة..
رفيقها منذ غيابك سجادة بالية ودعاء عميق وذكرى جميلة رغم الألم..
وماكينة خياطة تأن تحت قدميها..


هل لي ياأبي أن أسالك كم عمرك؟
كم سنة مضت في سعادة..في راحة ..في أمن وهدوء!
إني أشعر أن سنوات من عمري تفر مني..وتهديني جلباب امرأة عجوز..
وانت ياأبت ألا تفر منك سنوات الأمان ؟

إن كنت تشعر بلوعة الفراق وقد غلبك الهوى فعاند أحلامك التي تغيبك
بعيدا عنا..!!

وأقبل....!

واهرع إلينا فقد عاثت فينا سنوات الخوف..
تعال ياأبت فمازالت قلوبنا تنبض بحبك ومازال في وسعنا أن نداوي الجراح!
تعال لأهديك عمرا جديدا وتهديني أنت أرضا تنبت فيها الزهور!
أود أن أكسر صندوقي ..
وأطلق ذكرياتي لتحلق بعيدا..


إني أسمع صوت الشوق فيك يجيبني..
وأرى بعيني قلبي حقيقة تعلقك بحياتك قبل 16 عاما..
فأقبل إلينا فالحياة أقصر من أن تضيع في لحظة تردد وحسابات..
الحياة ثمينة..
وأثمن منها قلب مخلص وابنة بارة وزوجة وفية ..
الحياة ثمينة!
وأثمن منها رضى رباني
وأمن يسكن النفس..
وضمير يعيش في راحة..


هاهي يدي تمتد إليك عبر سطور الحب ...
فلاتخذلها ياأبي..!
ولاتجعلني أقبع داخل صندوق الذكريات مابقي لي من عمر..
إنني أشتاق وأمي تشتاق والوطن يشتاق..
وحق لشوقنا أن يرتوي..
فكن سلسبيلا شافيا

وأقبل!