السبت، 19 مارس 2011

لمن ضاقت عليه الدنيا وزادت عليه الهموم ..وصية عظيمة!





الجمعة، 4 مارس 2011

إضاءات في سورة القصص ..


المنة الإلهية والتسخير الرباني..(1)

ليس هناك أنيس في الحياة يعادل القرآن في جماله وصفائه ..وليس هناك صوت في الكون يشبه صوت التالين له عندما يتلونه آناء اليل وأطراف النهار فتتسلسل كلماته في عذوبة وحب حتى تصل إلى القلوب فتدق أبوابها في رقة وحنان..
فإذا ولجت كلماته القلوب شرعت في إصلاح ماينبغي إصلاحه من تلف أصابها جراء تغيرات الزمن وتوالي الصدمات وسيطرة المخاوف وقلقلة الوساوس..واضطراب المشاعروتسرب الأمان..

هذه المعاني اللطيفة لن يشعر بها مترف ينام على أريكة مريحة أو رجل يتقلب في مال وفير..إنها تحتاج لمن تذوق الألم ..كي يمزج مرارة البعد بلذة القرب وتذوب تلك المرارت بين صفحات هذا الكتاب العظيم فتتراءى له كخيالات ثم ترحل بعيدًا فتبدو عليه علامات النعيم وإن كان غارقا في الشقاء..وتتنزل عليه السكينة فإذا الكل يحسده على راحة البال بينما هو يتقلب في أنواع من البلاء..

وجدتني أكتب هذه الحروف وأنا أتأمل سورة القصص..هذه السورة التي  تقدم فيها البلاء على النعمة وسبق فيها الاختبار الاصطفاء..وكانت التربية قبل التكليف..

ووجدتني أقاسي الألم مع أم موسى فإذا هي تقذف فلذة كبدها في البحر مذعنة للأمر الإلهي..ولسان حالها يقول مع الله رغم الألم ودون حيرة أو تردد..
وقلبها آنذاك متعلق بحب الله يسبح في ملكوته مستسلم له راض به ربًا وملكًا ومسيرًا لشأنها كله مدبرًا تدبيره الخفي الذي يجهلها عقلها البشري المحدود ولكن قلبها الحي يحبه ويثق في أنه الخير والرحمة والأمان وإن كان ظاهره يدل على الشر والخوف والضياع..

ثم هاهو التابوت يقطع أمواج البحر في خطوات ثابته متجها إلى العدو وكأن الله يريد أن تبدأ المنة الإلهية على موسى عليه السلام منذ الصغر..فهو يساق إلى عدوه ليصل إليه سالمًا ناجيًا من خطر البحر وأهواله..فتتلقفه يد آسيا بنت مزاحم وقبل ذلك يتلقفه قلبها ذلك القلب النقي الرقيق الذي يحمل بذرة الإيمان في داخله وينتظر سقيا الرحمة التي يحملها ذلك الرضيع!

وتكمن المنة هنا في تسخير البحر ليحفظ التابوت الثمين..
ولو تأملنا نحن حياتنا اليوم لوجدنا أن الكون كله مسخر ومأمور لاتقع ورقة من شجرة إلا بأمر الله ولاتنام عين ولا تتيقظ أعين أخرى ولا تطير الطيور ولاتسبح الكائنات في البحر إلا بأمر الله..

ثم أنفاس الناس التي تنفثها صدورهم..وخطواتهم التي يخطونها داخل دائرة الحياة أو خارجها..النفع والضر ..كلها لاتكون إلا بقضاء الله وقدره..لاينفك عنها مخلوق كبر شأنه أو صغر..

تنتهي محنة البحر لتبدأ محنة التربية في كنف العدو الذي يدعي الألوهية ..ياللرهبة!
كيف يتربى نبي كريم في بيت فرعون الذي يقتل أبناء بني إسرائيل طغيانًا وكبرًا ..
ولكن يشاء الله أن يعمي قلبه وبصره عن أمر الرضيع ويسخر الله الزوجة المحبوبة لتكون المنقذ والقريب..لتنعم بقرب موسى ..فقلبها هنا سخره الله لحفظ موسى وصد فرعون عنه..

وهكذا يخرج موسى من محنة البحر لينعم بمنحة السلامة ثم إذا هو يواجه محنة العدو المرتقب..وهو مازال في المهد!
ونحن في دنيانا كذلك نتردد بين البلاء والعافية وبين المنحة والمحنة !
وولكننا نُغلب جانب الحزن على الفرح فتغدو حياتنا سيلًا متواترًا من الأحزان..
وننسى لحظات النجاة التي سعدنا فيها برحيل الحزن..

ولايتبادر إلى أذهاننا أن الله يهيئ لنا سبل النجاة حتى وإن لم نرها..
فربما تلك المصيبة كانت هي البحر الذي قذفنا فيه ليقودنا إلى عوالم أكثر سكنًا وأكثر طمأنينة..
وربما ذلك الضيق هو التابوت الذي حبسنا فيه حتى إذا اتسعت أمامنا ساحات التمكين وأصبح النصر حليفنا كان للفرج طعم حلو جميل لاننساه أبدًا..ثم نفوسنا تلك التي أثر فيها ضيق التابوت تبقى بعد الحرية سائرة على الطريق الصحيح متشبثة بالاستقامة على نهج الله..لأنها تعلم أن الذي أخرجها من التابوت قد يعيدها إليه إن هي تجبرت وتكبرت وحادت عن الجادة..!
فتبقى وجلة ..تخشى أن تكون من المبعدين بعد أن عرفت نعيم المقربين..
وتخاف الظلام وقد تنعمت بنور اليقين..


سنكمل حديثنا في المرة القادمة...
ومازال هناك الكثير والكثير من الجمال الذي تكتنفه هذه السورة..
تأملوا هذه الخاطرة حتى لقاءنا القادم

خالص محبتي